مع فطيرة

by Maha Al Aswad

حكّت رأسها بأصابعها الطويلة لثوان قبل أن تهب واقفة فجأة. التفتت إلي قبل أن تتجه إلى الباب، كما لتخبرني: أعلم بمراقبتك لي! . التقطت معطفها البني الطويل وقبعة ساعي البريد من على الشماعة بجوار الباب، ارتدت المعطف وسوت بضع شعرات نافرة أعلى أذنها اليسرى دون أن تنظر في المرآة، وضعت القبعة في حقيبتها الضخمة وهي تتفقد الشارع بالفعل، ولم تنظر وراءها مرة أخرى.

في اليوم التالي، بعد أن اشتريت قهوة الصباح، قررت ان أتوقف عند المخبز الوحيد وسط المدينة لأشتري  فطيرة محلاة بالسكر. كان والدي يعتبرها أفضل حلوى صنعت على وجه الأرض. لم أحبها قط وأنا صغيرة ولكنني لا أعلم ماذا حدث لي بينما أكبر. لم أعد أطلب غيرها للتحلية حتى أنني تعلمت طريقة صنعها. حتما نتيجة التعود. سنوات عديدة لم تصنع أمي غيرها رغم إلحاحنا صغارا أن تصنع لنا طبقا مختلفا. طلبت فطيرة كاملة لأنني فكرت أن أدعو زملائي في العمل لتناولها معي- ربما أعوض عن مهاراتي الإجتماعية المحدودة.  التفتُ فجأة خلفي – لا أعلم لماذا-  لألمحها مقبلة من بعيد. نفس المعطف البني، نفس عقفة الشعر لأعلى، نفس الحذاء الرياضي البسيط، ونفس النظرة: أنا أعرفك، وأعرف فيم يفكر عقلك.

تجاوزتني لتطلب قطعة من كعكة الليمون، بينما أنتظر تغليف طلبي. بدا اختيارها ملائما لها تماما: رشيقا ويعكس ذوقا خاصا.  لوهلة بدا طلبي فجا ومحرجا. ماذا لو علمت ما هو طلبي؟ للحظة كان كل ما أتمناه في الحياة ألا تعرف تلك الفتاة التي لم أرها في حياتي إلا أمس بأمر الفطيرة المحلاة بالسكر.  أحسست بارتياح مفاجيء عندما أدركت أن طلبي يتم تغليفه الآن، ولن يعلم أحد بأمره. سيكون سري أنا والبائع. لم أفق من أمنياتي إلا على يد البائع ممدودة في نفس الوقت التي تنطق فيه شفتاه بمحتوى طلبي وعيناه تنظران مباشرة إلى عيني. أحسست بصوته يرج المكان وأن العالم توقف فجأة عن الدوران ليعلم مدى فجاجتي وأنه لا ذوق خاص لي في الطعام. من المؤكد أن الطلب لي. لا خوف من أن يتم تبديله بطلب شخص آخر لأنه لا يوجد غيري وغيرها في المكان. لماذا فعل البائع ذلك؟ لماذا؟  ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة، ابتسامة من يعرف أنه أدى عمله بإتقان وينتظر ابتسامة رد الجميل. كل ما أعطيته له كان وجها جامدا خاليا من التعبيرات.

التفتُ جهة اليمين عند انصرافي، الجهة التي كنت أظنها تنتظر فيها، لكني لم ألمحها. ارتحت قليلا انها لم تكن هناك وقت هذه الكارثة الكونية. أين ذهبَت؟  المتجر صغير نوعا ما ولكن ملحق به صالة انتظار صغيرة، لا تستطيع رؤية من فيها من المدخل الرئيسي. أطلقت زفرة حادة وأنا أنظر في الساعة التي أعلنت تأخري عن عملي عشر دقائق كاملة. وبينما أهم بفتح الباب سبقتني يد رشيقة.

–       “من فضلك!”.

ابتسمَت بينما تشير بيدها الأخرى إلى أنني أحمل أشياء كثيرة وأنها ستفتح الباب تيسيرا عليّ. قالت هذا كله بإشارة وابتسامة.  أنا حتما أحلم. من أين أتت؟! شعرت أنني أطفو وأنا أنقل قدمي بصعوبة لأخطو من الباب الذي لا زالت تمسك به.  التفتُ كي أشكرها ولكنها لم تنتظر. مرقت بجواري بسرعة البرق لتلحق بالإشارة الخضراء لعبور الطريق بينما وقفتُ في بلاهة تامة. كان يجب أن أعبر الطريق أنا أيضا  فهو طريقي إلى عملي، ولكن الإشارة حمراء الآن. كل ما استطعت أن أفكر به في تلك اللحظة هو كيف يمكنني أن أتخلص من فطيرتي المحلاة بالسكر، من حذائي ذي الكعب العال، ومن غطاء رأسي.