اعتصام الألتراس: النساء تحت الوصاية دائما وأبدا

by Maha Al Aswad

العنصرية ضد النساء ليست فقط  في قوانين وممارسات الدولة- فهي في الأصل مترسخة في العلاقات الإجتماعية بين الأفراد. على مدى  التاريخ خُلقت موازين قوى بين النوعين، وانتقل ذلك من المجتمعات البدائية حتى ظهور الدولة الحديثة.

قد تجد الكثيرين يعترفون بالتمييز المؤسسي ضد المرأة متمثلا في القوانين مثلا، ولكن من الصعب أن تجد من يعترفون أن هناك تمييزا مجتمعيا ضد النساء، بداية من أبسط التعاملات اليومية – رغم أن الإثنين لا يمكن النظر إليهما بمعزل عن الآخر.  من الصعب أن يعترف الرجال أنهم ينظرون للنساء ليس باعتبارهن أندادا، بل كائنات بشكل ما أقل، تستحق أن تُمارس عليها السلطة سواء من الكائنات الأقوى: الرجال، أو من النسق القيمي الذي شكلته علاقة القوى غير المتوازنة تلك، مثل العادات والتقاليد والتفسيرات الذكورية للأديان وغيرها، لأن ذلك وببساطة ينافي الصورة المُتخيلة للرجل المتفتح، المثقف.

ولذلك قد يمتليء الفضاء العام بالعديدين ممن يدافعون عن “حقوق النساء” والتي اختُزلت إلى مجموعة من القوانين والإتفاقيات الدولية، دون النظر بعين الإعتبار إلى العلاقات الإجتماعية اليومية والتي تراكمت على مر السنوات لتخلق ميزان قوى لا يهتز، يُكرس لتبعية نوع بشري لآخر.

  ولأن ميزان القوى هذا خلق نسقا قيميا تغلغل في كل نواحي الحياة وتحول إلى أمر اعتيادي، بالكاد نلحظه، أصبح من الصعب تحديه والعودة لأصل الشياء، عندما ولد البشر جميعا أحرارا، ليس لأحد سلطة على أحد.

وبالتالي، عندما تظهر العنصرية ضد النساء مجتمعيا على السطح بهذا الشكل الفاضح- متمثلة في نظرة الألتراس للنساء-  تكون فرصة عظيمة لمحاربتها، والإعتراف أنها موجودة وأنه لا يمكن القبول بها.  فرصة لتبني خطاب أن النساء لسن مواطنات من الدرجة الثانية، لسن كائنات بشرية من الدرجة الثانية، وليس للرجال وصاية على النساء في أي سياق كان..

العودة لأصل الأشياء- الحرية والمساواة- يتطلب من الرجال أن يكونوا من المؤمنين بها، وعلى دراية بعنصريتهم، ولكن قبل ذلك يتطلب من النساء أن يكن على قدر من الوعي بأهمية الوقوف في مواجهة تلك العنصرية. أعتقد أن التعامل مع كل ذلك الإقصاء البيّن من الفضاء العام بسعة صدر يجب أن يتوقف. كل النساء اللائي شاركن ويشاركن في الثورة حتى الآن شاركن بصفتهن مصريات أولا وأخيرا، وليس بصفتهن نساء. وانتظرن أن يتعامل معهم الرجال بهذه الطريقة أيضا، ولكن للأسف لم يحدث في كثير من الأحيان. لم يكن شيئا مثيرا للدهشة بقدر ما كان مثيرا للإمتعاض.

لم يرفض الألتراس فقط اعتصام النساء،  بل حددوا موعدا يوميا لرحيلهن، ومنعوا تدخين النساء خلال التواجد في الإعتصام، ولم يكتفوا بذلك، بل أنفقوا مبلغا لا بأس به على طباعة لوحة هائلة صاغوا فيها تلك “القواعد” بعربية ركيكة وقاموا بتعليقها على مدخل الإعتصام، ليراها الجميع! ليس فقط الثائرات والناشطات، بل كل من يمر بجوار الإعتصام ويتساءل عن أهدافه وما إلى ذلك. وكلنا يعلم أن من أهداف أي اعتصام ليس فقط الضغط على السلطة الحاكمة، بل نشر المعلومات عن أهداف ومطالب الإعتصام ومحاولة كسب تأييد المجتمع. وبالتالي ساعد الألتراس المجتمع على إبراز الإزداجية الكامنة في أحشائه، وفي نفس الوقت ساعدوا على استمرار النظرة التقليدية للنساء والنسق القيمي الذي يحميها في أعين الجميع،  ولسان حالهم يقول: ندافع عن الحريات والحقوق طالما نحن نحدد ضمونها.

دعم إعتصام الألتراس بدون وقفة قوية ضد عنصريتهم ليس مفهوما على الإطلاق- على الأقل بالنسبة لي. المشهد في ذهني يوازي مشهد لسيدة يتم الإعتداء عليها وهي تضحك وتنظر للمعتدي تطلب منه المزيد. في الحقيقة نظرة الألتراس للنساء- للأسف الشديد-  تماثل نظرة العسكر والإسلاميين المهينة لهن لا فارق. العسكر الذين قاموا بكشوف العذرية على الثائرات لم يروا فيهن إلا أجسادا، ونواب البرلمان الذين يريدون تعديل قانون الأحوال الشخصية لا يرون في الزواج سوى عقد لتقنين الرقيق، والزوجة ما هي إلى جارية تحت وصاية سيدها. من اختاروا أربع نساء من أصل مائة عضو في جمعية تأسيسية لدستور الوطن لا يرون في النساء إلا أجسادا أيضا لا دور لهن في المجال العام وهم تحت الوصاية دائما وأبدا في المجالين العام والخاص.  ما فعله الألتراس هو نفس مفهوم الوصاية والرقابة وتحديد نوع إنساني لآخر كيف يعيش حياته. سعيٌ متواصل للإستحواذ على المجالين العام والخاص، وفرض السيطرة على النساء وتحديد شروط الكرامة ومعايير الأخلاق لمنح صكوك الغفران.

كنت سأتقبل أن يعلن الألتراس أن الإعتصام مغلق فقط على أعضائه، وبما أن أعضائه من الذكور، من الطبيعي ألا تنضم نساء إلى الإعتصام هذا بالذات. لكن في الحقيقة  وجدتُ أن اعتصام الذكور ممن لا ينتمون للألتراس هو أمر مقبول لديهم، وبالتالي المشكلة هي مع النساء بشكل عام.  كنت أتابع النقاش الدائر حول مشاركة مجموعات ثورية وحقوقية للألتراس في  اعتصامهم، نظرا لأنه من أجل قضية تهم الجميع، بل هي في صلب مطالب الثورة. لكن لأن أغلب عضوية تلك الحركات من النساء، لم تشارك في الإعتصام، وإن كانت لم تتوقف عن تقديم الدعم المعنوي والإعاشة وما إلى ذلك. بل أكثر من ذلك، طالعتني منذ يومين دعوة لتنظيم مسيرة نسائية لـ”دعم الألتراس” ولم أستطع التصديق! بحثت في وصف الدعوة عن أي إشارة لتصريحات الألتراس العنصرية تجاه النساء فلم أجد. ربما رأت المنظمات لهذه المسيرة أنهن بذلك سيُحرجن الألتراس وستكون بمثابة دعوة لهم لمراجعة النفس- لا أدري.

الكثيرات من الناشطات تعاملن مع الموضوع من منظور إثبات من الأفضل، أو إثبات من يؤمن بالحريات أكثر، أو ربما من أجل قدسية هدف الإعتصام، وأن العدو الآن هو السلطة العسكرية التي تقمع الجميع وأن التاريخ والمجتمع سيذكرون حتما دور النساء في النضال الثوري، وما إلى ذلك.

لكن قضية شهداء بورسعيد هي قضية وطن وقضية ثورة في المقام الأول والأخير، ليست قضية الألتراس وحدهم، وقطعا ليست قضية الرجال دون النساء. وترك الحكم للتاريخ ليس مسألة مضمونة العواقب، وترك الحكم للمجتمع في وجود ميزان القوى غير العادل هو أيضا مسألة غير مضمونة العواقب. ما أريد أن اقوله هو أن الدفاع عن الحريات والحقوق يجب أن يكون من الجميع ومن أجل الجميع، والمباديء لا تتجزأ. ولكن إذا كان القهر الواقع على الجميع سيكون مضاعفا في حالة النساء- مواجهة قهر سلطة الدولة وسلطة المجتمع- بل ورفاق النضال!-  فلا بد من وقفة، وأن يكون الخطاب واضحا وقويا في هذا الشأن.