ارفعوا أياديكم عن النساء

by Maha Al Aswad

إرفعوا أياديكم عن النساء[i]

عندما انطلقت شرارة الثورة في مصر  أخذ أصدقائي و صديقاتي من المهتمين والمهتمات بحقوق الإنسان والعدالة بشكل عام في الخارج يعربون صراحة عن قلقهم مما ستنتهي إليه الأمور، ومن أنه في معظم الثورات في العالم الحديث كانت النساء دوما في الجانب الخاسر، وتمر الثورة في التاريخ كسرد ذكوري وعمل بطولي قام به الرجال وحدهم، وتأتي تلك اللحظة الحتمية التي يجلسون فيها يتمنعون، يتعالون، ويقررون أي الحقوق التي يمكن أن تحصل عليها النساء وأيها لا. كنت ورفيقاتي المصريات نتغاضى عن تعليقاتهم القلقة، كنا جميعا مندمجات في زخم الشوارع والميادين، أبدا لم نشعر ولو للحظة باختلاف الأدوار بيننا كثائرات وبين إخواننا الثوار، الهم واحد، الوسيلة واحدة والهدف واحد.

كان الأصدقاء والصديقات في الخارج على حق، ولكن ليس لأن الثورة نفسها تولت الحكم وقامت بالتمييز ضد النساء. بل لأن من حكم بعد الثورة نوعان من أقوى أنواع الفاشية التي عرفها العالم: الفاشية العسكرية والدينية. لم تحكم الثورة وحكم من لا يدرون شيئا عن مبادئها، وبالتالي فإن ما يحدث وببساطة هو إعادة إنتاج للنظام القديم. تولى العسكر الحكم يوم رحيل المخلوع، وظهرت بوادر التمييز في النص الأوّلي المقترح للمادة المتعلقة بشروط الترشح لرئاسة الجمهورية، حيث جاء دالا على أن الرجال وحدهم قادرين على الترشح، ورغم إصلاحها لاحقا إلا أنها عكست المزاج العام المسيطر تجاه دور المرأة في المجال العام في مصر الجديدة. ثم  وقعت فضيحة كشوف العذرية، وهي ما يمكن تسميتها بمحاكم التفتيش الذكورية، في محاولة لترسيخ الصورة التاريخية لقهر النساء: النساء ما هن إلا أجساد، وكرامتهن في المجتمع مستمدة من بضعة سنتيمترات في أعضائهن التناسلية، بعدها تصدر لهن صكوك الغفران أو قرارات الحكم بالإعدام.

وجاءت الإنتخابات كبديل حتمي لعدم قدرة الثوار على تنظيم أنفسهم وتقديم بديل قوي يقف في مواجهة العسكرلإدارة المرحلة الإنتقالية، ورفضت المشاركة فيها أغلب فئات الطليعة الثورية، ومن شارك فيها من الجبهة الثورية غير مشكوك في وطنيتهم وإيمانهم بمباديء الثورة وأهمها المساواة أمام القانون لكل فئات المصريين. ولكن للأسف، تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، ولم تحظى الثورة بتمثيل قوي في مجلس الشعب، وجاءت الأغلبية من الإسلاميين، والأغلبية من غير الإسلاميين التي نجحت في الوصول لمقاعد البرلمان لا تمثل بالضرورة وجهة النظر الثورية. وبالتالي المنطق يقول ان الإتجاه الغالب للنقاشات التي تجري فيه والقرارات والقوانين التي تصدر وستصدر عنه ستغيب عنها مباديء نادت بها الثورة.

وظهرت البوادر.

 وقف النائب المحترم محمد العمدة عضو مجلس الشعب والذي لا ينتمي -وياللمفاجأة- للتيار الإسلامي، حيث كان عضوا في الوفد ولكنه فضل الترشح مستقلا، وقف في ساحة المجلس، يتحدث باسم الشعب- وليس فقط باسم ناخبي دائرته في أسوان والذين اصطفوا لإنتخابه رجالا ونساء على السواء- ليطالب بإلغاء المادة 20، المعروفة باسم مادة الخلع، من القانون رقم 1 لسنة 2000 الخاص بتنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصية.

جاء على لسان العمدة حسب جريدة الشروق يوم السبت 17 مارس ، أن مادة الخلع “تمكن المرأة من التخلص من الحياة الزوجية بإرادة منفردة دون رقيب ودون أدنى اعتبار لحقوق الأسرة والمجتمع“، وفي حقيقة الأمرأصابتني هذه الجملة تحديدا بهيستيريا من الضحك، على أساس أن شر البلية ما يضحك، فعلى مدار السنوات قبل سنة 2000 ، كان الزوج هو الوحيد الذي له حق “التخلص من الحياة الزوجية بإرادة منفردة دون رقيب ودون أدنى اعتبار لحقوق الأسرة والمجتمع” عن طريق كلمتين فقط “أنت طالق”، ينطق بهما متى يشاء وأين يشاء ولأي سبب يريده.  ولم يتساءل أحد طيلة هذه العقود عن سبب تمتع الأزواج وحدهم بهذا الحق، ولا حتى النساء أنفسهن الذين تغص بهن صالات وأروقة محاكم الأسرة في محاولة للحصول على حقوقهن وفي كثير من الأحيان حقوق أبنائهن المسلوبة. كان متوسط الزمن الذي تستغرقه قضايا الطلاق في المحاكم من 3- 8 سنوات مع صعوبة كبيرة في إثبات الأضرار التي وقعت على الزوجة من الزوج ودعتها لطلب الطلاق، حيث أن أغلب الإعتداءات تحدث داخل جدران المنزل المغلقة حيث لا سميع ولا رقيب في أغلب الأحيان يشهد مع الزوجة. وجاءت مادة الخلع بمثابة طريق الخلاص من كل القهر المستدام.
إن مجرد اقتراح هذا القانون هو انتقاص خطير للغاية من مواطنة النساء في مصر، ومحاولة للتعامل معهن وكأنهن مواطنات درجة ثانية. في جزء لاحق من تصريحات العمدة التي أوردتها الشروق : ” ماذا لو أن زوجة رفعت دعوى خلع بحجة أنها كارهة وتخشى عدم إقامة حدود الله وهى فى الحقيقة تريد أن تتخلص من زوجها لأنه يرفض السماح لها بالسفر إلى الخارج” ، والسؤال هنا، ولماذا يسمح القانون أصلا للزوج بالتحكم في الزوجة لهذه الدرجة؟ أليس الزواج في فكرته الأساسية هو شراكة متبادلة بين الزوجين يعينان بعضهما على الحياة بالمعروف والتراضي؟ أم أنه تحول إلى عقد شراء جارية يتحكم فيها سيدها ويلزمها بالبقاء معه رغما عن إرادتها؟ في اللحظة التي يلجأ الزوج إلى القانون ليمنع زوجته من السفر أو ليمارس عليها أي نوع من أنواع الإجبار والوصاية تنتفي صفة الشراكة والتراضي وتصبح الحياة مستحيلة، والأولى بهما أن ينفصلا بكرامة.

يقول العمدة: “ماذا لو أن زوجه قررت أن تضرب عرض الحائط بزوجها وأولادها لأن رجلا ثريا غرر بها”!!! وأتوقف هنا كثيرا عند كلمة “غرر”. نفس العقلية الحجرية التي تنظر للمرأة باعتبارها كائنا يحتاج إلى وصاية ورقابة دائمة حتى بعد بلوغها سن الرشد، فتنتقل الوصاية إلى الزوج بعد الأهل، باعتبارها كائنا غريرا لا يفقه أين مصلحته ويحتاج لمن يقررها عنه، بل في حقيقة الأمر كائن معدوم الضمير يسهل شرائه بأموال رجل ثري. ببساطة إذا قررت الزوجة إنهاء الزواج لأي سبب تراه، وقررت استحالة العشرة مع الزوج، فإن لجوئه للقانون لإجبارها على ذلك هو أكبر مثال لإنحطاط الكرامة ونمو النزعة السادية لدى الزوج. الزوج الذي لديه الحق- طبقا للقانون المصري- في أن يتزوج أكثر من مرة، وأن ينهي الزواج متى يريد.

 ربما يعذر العمدة في ذلك فبناء على كلامه فهو قد اشترى زوجة بموجب عقد زواج وبالتالي الشيء المشترى يمكن إعادة شرائه وبيعه!-  ياللمأساة! يقف العمدة في ساحة مجلس الشعب يغازل الإسلاميين من ممثلي الشعب بخطابه- ليعلن وصاية الرجال على النساء عام 2012، بعد ثورة عزة وكرامة. ولا عجب. ففي خبر آخر نجد سيادة النائب يحاول جمع توقيعات من زملائه لمساندة ترشيحه لرئاسة الجمهورية، ويوجه الشكر لقيادات حزب النور السلفي لإعطاء أعضائه حرية مناصرة من يريدون في انتخابات الرئاسة.

 برغم نشوء الدولة الحديثة، دولة القانون والتي تتعامل مع المواطنين والمواطنات جميعا داخل الدولة على قدم المساواة دون أن يكون لأحد وصاية على أحد ودون أن يكون هناك درجات لمن يمكنه أن يحصل على كافة حقوقه وأيها يحصل على بعض تلك الحقوق وأيها لا يحصل إلا على الفتات، يأبى الكثيرين إلا أن يتملصوا منها ومن محاولات بنائها في مصر بعد ثورة عزة وكرامة، ويعيدونا إلى عصور ظلامية ذهبت دون رجعة.