الجسد والثورة

by Maha Al Aswad

عزيزتي المواطنة: هل تؤهلك نوعية ملابسك للإشتراك في المظاهرات؟

هل يؤهلك نوع ولون مشد صدرك لللإشتراك في المظاهرات؟

وأخيرا: هل يؤهلك حجم صدرك للإشتراك في المظاهرات؟


انتابتني الظنون والوساوس بعد مشهد سحل المتظاهرة التي كانت ترتدي عباءة سوداء، بعد أن قام الجنود بتعريتها من ملابسها وسحلها على الأرض وضربها بالأحذية على صدرها العاري- إلا من مشد صدر أزرق ، لا أدري كيف نفذ من بين أيديهم فلم يقوموا بخلعه هو الآخر ما خلعوه من ملابسها. خاصة بعدما نالته تلك الفتاة من اتهامات لها برداءة الذوق لأن لون مشد الصدر كان أزرقا فاقعا، كما أنه كان من نوعية مشدات الصدر التي- على ما يبدو- لا تلاقي قبولا مجتمعيا، يطلقون عليها ” أم كباسين”.

ولم أكن أعلم قبل ذلك اليوم أن نوع ولون مشد الصدر هو أمر يجب أن يحصل على التوافق المجتمعي، أو أن هنا معايير لونية أو نوعية معينة للمشدات، فمنها تعرف المتظاهرة الحقيقية.

سأضطر- آسفة- إلى التطرق إلى أصل الأشياء، فما بالنسبة لي واضحا وضوح الشمس ولا يحتاج شرحا وتفصيلا، اكتشفت أنه ليس بذلك الوضوح للعديدين. لماذا ترتدي الإناث مشدات صدر؟ والإجابة هي أن الشيء لزوم الشيء، أحيانا إذا كان الصدر كبيرا فهو يعيق الحركة، وارتأت النساء عبر التاريخ أن مشدات الصدر هي الحل الأمثل. فهي ليست أداة للإغراء. فقط وببساطة: الشيء لزوم الشيء.

وبالتالي فإنه في حالة أن الصدر ليس كبيرا، ولا يعيق الحركة، فإنه لا داعي لمشدات الصدر.  بل ستكون في هذه الحالة شيء مالوش لازمة، حيث إن نظرية الشيء لزوم الشيء لا تتحقق في هذه الحالة.

بل إن هناك من تتحقق لديهن تلك النظرية- الشيء لزوم الشيء- ولكنهن لا يفضلن ارتداء مشدات الصدر لتفضيلات شخصية-  منها مثلا أنهن من ذوات الحركة القليلة الرزينة، وبالتالي لا تتم إعاقة حركتهن بأي شكل من الأشكال، أو لأي سبب آخر، في النهاية هناك نظرية أخرى أقوى وأكبر تأثيرا اسمها: هم أحرار يعني.

المهم. في الحقيقة فإني لم أكف عن تخيل فتاة لا ترتدي مشد صدر مكان الفتاة المسحولة في التحرير، ففي حالة تمت تعريتها كما حدث معها، لن يوجد مشد صدر أزرقا أو أي لون، “بكباسين” أو بدون.  وأكاد أتخيل ردود فعل المصريين الشرفاء، من محبي الكنب (جمع كنبة)  بكل أنواعه وألوانه وأشكاله.  فهذه المرة لن تكون مادة الحديث لون ونوع مشد الصدر، بل حجم الصدر نفسه، وطبعا، الحديث عن تلك المتظاهرة “عديمة الرباية” التي ترتدي الملابس على اللحم ثم تنزل للتظاهر. إلخ. ويحضرني في ذلك، المشهد من فيلم أمريكا شيكا بيكا، والذي يقوم فيه أحد أبطال الفيلم بمراسلة زوجته في مصر، ممتدحا السيدات المصريات وعفتهن، حيث أن الرومانيات لا يلبسن مشدات صدر، بل يلبسن الملابس على اللحم. – طبعا في نهاية الفيلم  يقوم بخيانة زوجته، ويمارس الجنس مع فتاة رومانية تعرض جسدها مقابل المال. أي أن الجسد الذي كان ناقما عليه وينتقده هو الجسد نفسه الذي كان يريده بكل الطرق لإطفاء رغباته.

الأمر الذي يمكن أن نطبقه حرفيا – كما قالت صديقة عزيزة– على الشعب الذي يؤدي الصلاة في مواعيدها، ويصوم رمضان، وينتخب التيار الإسلامي لمجلس الشعب، ثم يقوم بالتحرش بالنساء، بل ويلومهن على ذلك.

بعد تلك الحادثة بأسابيع قليلة، ويوم الذكرى الأولى للخامس والعشرين من يناير، فوجئت باتصال تليفوني من صديقة لي تستنجد بي من قلب ميدان التحرير.

أحاط بها الأوغاد من كل حدب وصوب، مجموعة من 50 شخصا على الأقل، أي 100 يد على الأقل تحاول الوصول إلى كل مكان في جسدها. وفي الحقيقة أياد كثيرة جدا استطاعت، لدرجة أن آثار أصابع بشرية لازالت موجودة حتى اليوم في جسدها. في الحقيقة لم يكن أول سؤال يخطر على بالي أن أسأله لصديقتي، ما الذي كانت ترتديه خارجيا فضلا عن ما ترتديه داخليا، وإن كانت ترتدي مشد صدر أم لا، رغم أني متأكدة أن الكثيرين سيكون هذا هو أول سؤال في بالهم. فعبر التاريخ، دائما تلام النساء.

 بعد إنقاذها وخروجها من ميدان التحرير بمعجزة، وبعد وصفها لما حدث، فإنه من الواضح في تلك الليلة لم يجد مشد الصدر نفعا لصديقتي، ولا حتى أطنان الملابس الشتوية التي كانت ترتديها. روت لي صديقتي تفاصيل تقشعر لها الأبدان مما فعلته بها الأيدي الحقيرة. نحن لن نتحدث عن تحرش جنسي عادي،فأقل ما الذي يمكن أن نطلقه عليه هو اعتداء جنسي. من الواضح أنه لم يكن سيحدث فارقا مع المعتدين الأوغاد نوع وشكل وحجم الملابس.

منذ سنوات عديدة عندما كنت أتطوع – وياللمفارقة- مع صديقتي التي تعرضت للإعتداء في التحرير أيضا- في حملة شارع آمن للجميع التابعة  لإحدى المراكز الحقوقية، كنا نقاوم ظاهرة التحرش التي كانت جديدة نسبيا وقتها، كان ألف باء النقاش حول الموضوع هو أن ما ترتديه النساء ليس عاملا على الإطلاق أو سبب من الأسباب التي تؤدي للتحرش. في الدراسة التي أجراها المركز أثبت بالدليل القاطع تعرض المحجبات وغير المحجبات والمنقبات، المصريات والأجنبيات- باختصار كل الإناث-  للتحرش.

المشكلة هي في الحقيقة- أن تمتلك جسد أنثى. المشكلة هي في فكرة الإستباحة بشكل عام لهذا النوع الإنساني من الأجساد. المشكلة في اعتبار كل ما يتصل بهذا الجسد عيبا وعارا وعورة وخطيئة يجب تغطيتها بمعايير ومقاييس معينة، حتى وصلت للملابس الداخلية.

كان تفسيري البسيط للموضوع وقتها والذي لا يزال يصلح حتى الآن، هو أنهم يحاولون دفع النساء دفعا للإختفاء من المجال العام، وبعد أن ارتضت النساء من يقوم بتغطيتهن باعتبارهن عورة، كان ذلك هو أمرا منطقيا للحدوث. ليس من المفترض أن تتعامل النساء مع أنفسهن باعتبارهن عورة تستوجب الغطاء، ونطلب من المجتمع التعامل بغير ذلك. وانسحب مفهوم المرأة عورة على جميع الإناث، أيا كان شكل الملابس التي اختارتها لنفسها، واصبحت النقاشات المجتمعية عن طول ونوع وشكل ملابس النساء أمرا عاديا،مستباحا. وهذا هو أصل الداء.

وفي الحقيقة أنه قبل النقاش المجتمعي “المحترم” عن نوع ولون المشدات- لم يخطر في بالي أبدا أن هناك ما يسمى بصلاحية المشاركة في المظاهرات. وإذا عملنا بنظرية الشيء لزوم الشيء، فمعنى ذلك أن المتظاهرات اللاتي لا يحتجن لإرتداء مشدات صدر، أوهؤلاء ممن لا يفضلن ارتدائها- أو من لديهن ذوقا لا يعجب “المجتمع” ويفضلن ارتداء مشدات صدر “بكباسين” لونها أزرق فاتح، لا يجب أن يشاركن في المظاهرات، للمطالبة بالحرية لبلدهن والعدل لشهدائهن. نفس الحجج التي يسوقها “المجتمع” عن أسباب التحرش الجنسي في كل مكان، فبالنسبة للبعض، هناك ما يسمى بصلاحية السير في الشوارع والمشاركة في المجال العام.  لقد غضضنا البصر أولا عن دعاوي تشييء المرأة واختصارها في جسدها، وهذا هو ما انتهينا إليه.

واستكمالا للعبثية، وسيرا في نفس الطريق الذي يتجه إليه “المجتمع”،  وفي ظل حالة الحوار المجتمعي “الغنية” عن موضوع ما ترتديه النساء خارجيا أو داخليا، باعتبارهن ألعوبة جنسية بحتة تسير على قدمين أينما ذهبن، حتى إذا ذهبن إلى ميادين التحرير،  أطالب بمد الحوار ليكون أكثر إيجابية، لنخرج بنتائج ملموسة، فلقد هرمنا، وضاع العمر يا ولدي، ولا نريد أن نضيع وقتا أكثر من ذلك، فأمامنا مهاما ثورية لم تستكمل، وفوق رؤوسنا سلطة عسكرية تحكمنا بالحديد والنار وتقتلنا بدم بارد في الشوارع ليل نهار، وتحوطنا من كل جانب صور الشهداء وصرخات الأهالي المكلومين.  أطالب بوضع معايير للمواطنة “الملتزمة”، “الصالحة” بما لا يدع مجالا للشك في نواياها، ويؤهلها للنزول في التظاهرات المختلفة – وأصلا للنزول إلى الشارع من الأساس- رغم أنها كانت هناك منذ اليوم الأول، ولم ولن تترك الشارع في انتظار تنظيراتكم.

ملحوظة: بعد فترة طويلة من كتابة هذه التدوينة اكتشفت أن الأكثر منطقية هي أن كون العباءة نفسها هي اللي بكباسين، وليس مشد الصدر! وهذا معناه أن الحديث عن مشد الصدر ولونه كان حديث الأحاديث، ولكنه لم يكن الوحيد، فقد تطرق إلى العباءة ومن يدري ماذا أيضا!