كل الصّباحات التالية

by Maha Al Aswad

كان صباحا مشبعا برائحة القهوة وصوت موسيقى عربية قديمة معاد توزيعها بإيقاع غربي هاديء.

أمضت الوقت تجول صفحات الشبكة العنكبوتية في بحث عابث عن أصل العائلة التي تملك المبنى العتيق المهجور في الإسكندرية.

دائما تعود إلى الأسكندرية. تطوف فيها مستلهمة لحظات مسروقة لهما فيها – لم تحدث أبدا.

هل رحل حقا؟ أم أنه كان كابوس مزعج؟  هل قامت بتلك الأفعال الصبيانية والتي تدل على انتهاء العلاقة بين أي شخصين بمرادفات العصر الذي نعيشه؟ كل تلك الأفعال تعتمد على أفعال أساسية: “مسح”، “حذف” وأحيانا ” إزالة”. غريب ومؤلم في نفس الوقت  كيف تأخذ قرارا بإنهاء علاقة عن طريق حذف التاريخ الرقمي لها. وكأن إزالة التفاصيل من ذاكرة إلكترونية ستزيلها من الذاكرة البشرية أيضا.

برغم كل شيء، كان توديع تلك الأشياء هو الوداع الوحيد الذي حصلا عليه.

المقهى الأثير تم اقتحامه وتدميره أثناء الثورة، وبعد تجديده رسموا الكلوسيوم على حائط بأكمله.  تجلس دائما بمواجهته.

كان يبهرها الحائط ككل ناقص. كل غير مكتمل. كل جزئي بطبيعته غير قابل للكمال.

كانت شاكرة للثورة لهذا السبب على الأقل.

كان ذلك هو أقسى ما قيل عنها يوما. منتهى الجرح والألم.

في الحقيقة، لم تكن متأكدة أن ما قاله هو عنها تحديدا. فمنذ افترقا ذلك الفراق الغريب دون وداع وهي لا تعلم شيئا عنه ولا عن حقيقة مشاعره. هل يشعر بالغضب؟ باللامبالاة؟ أم أن ما أسماه حبا بتوكيدات لغوية عديدة – صاغها لنفسه قبل أن تكون لها-  قد تحول إلى كره أعمى؟

 تستمع إلى أحاديث متناثرة عنه من أصدقاء مشتركين. وهذه هي المأساة الأزلية. الجميع يعرف الجميع. لا مساحة للهرب أو الإنعزال. لا مساحة للحزن النبيل قد يتركك فيها الآخرون في محاولتك البائسة للتعافي من آثار الإنسحاب.

ستطل دائما من ذاكرتها تلك اللافتة.

“إنتي مش التركيبة اللي انا عايزها” .  قالها في خضم حديث مليء بمشاعر الحب الدافئة. قالها ونظرة حب ملتهبة تطل من عينيه. لم تتوقف كثيرا عندها وقتها. بل اعتقدت أنها نسيتها تماما في كل الأيام التالية، لتتذكرها فقط –بعد الوداع.

كان كل شيء تمنته يوما.  دامت علاقتهما المشوهة ثلاث سنوات. ولكنه لم يعلم حتى بعد انتهائها أنها كانت تحتفظ بكل المقالات التي نشرها قبل حتى أن تلتقي به بسنوات. كانت تعرفه قبل أن تقابله.

“في يوم من الأيام المكنة هتتحرق”.

صدى الصوت لا ينصرف. يتشابك بخبث مع نغمات الأكورديون. تنتقل فورا إلى الجهة المقابلة من المتوسط. ضفاف خانيا اليونانية الجميلة، شحاذ موسيقي مبدع يطوف بين المنهمكين في الطعام والحديث،  تتبعه ابنته بقبعة مهترئة تجمع فيها الهبات البخيلة.

تعود لتحدق في المقعد الخالي أمامها وتتخيل الصديق الذي طردته للتو من مساحتها- لا زال جالسا فيه. ثم حبيبها. ثم حبيبها السابق. ثم الوالدة، ثم عامل المقهى، كل  منهم بتعبيرات وجوههم المعتادة التي تتذكرهم بها.