مصر الثورة.. ومصر الإنتخابات. خواطر حول الوضع الحالي

by Maha Al Aswad

لم يقم الشعب المصري كله بالثورة. حقيقة كنا نهرب منها كثيرا، وفي الحقيقة نتحاشاها لأنه عند ذكرها نواجه بالمزايدات واتهامات عدم الثقة في وعي الشعب.

أغلب التقديرات ترجح أن أكثر حشد تواجد في شواريع وميادين مصر كان 8 ملايين مصري ومصرية وذلك كان قبل تنحي مبارك. مصادر أخرى تتجاوز ذلك بكثير لتصل إلى 20 مليونا. ولا أحد لديه العدد الصحيح. ولكن الخلاصة لم ينزل المصريين جميعا ليثوروا، ولا حتى نصفهم. وهذا هو المعتاد على أي حال في أي ثورة. لا يقوم الشعب كله بها، ولكن نتائج تلك الثورة ونجاحها يحددهما مدى قدرة الثوار على  فرض الشرعية الثورية كبديلا لأي شرعية قد يستند إليها باقي الشعب أو القوى السياسية التي قامت الثورة لإسقاطها.

في مصر،  لم يقدر الثوار على فرض الشرعية الثورية، وتولى العسكر الحكم. السيناريو المعلن لما حدث  أن مبارك “تنحى” عن الحكم بضغط من العسكر أنفسهم، على أن يتنازل لهم عن السلطة. ومنذ ذلك الوقت هُمش الثوار بشكل واضح، وساعد في ذلك عدم وضوح الرؤية للقوى الثورية المصرية الوليدة في ميادين التحرير والتي تميزت بالتمرد على كل شيء.. حتى التمرد على اختيار قيادة أو مجلس تتوحد خلفه مطالب الثورة، وظهرت العديد من الإئتلافات الثورية، ثم الأحزاب السياسية والتي نادرا ما تجتمع حول مطلب معين. وفي الحقيقة كلما مضت الشهور يصعب التقارب أكثر فأكثر بين القوى السياسية، ويظهر ذلك واضحا في الدعوة للمليونيات مثلا. أذكر آخر مرة حظيت متوافق الجميع كانت مليونيات إسقاط شفيق و المطالبة بتحويل مبارك إلى المحاكمة.

احتكم العسكر منذ البداية إلى شرعيتهم الخاصة والتي يفرضونها بشكل مباشر -أو غير مباشر- عبر امتلاكهم للقوة.. قوة السلاح. وكي يكون الأمر “قانونيا” عمدوا إلى سرعة إصدار الإعلان العسكري الدستوري والذي يشرعنون فيه وجودهم في السلطة بصلاحيات واسعة. فشل الثوار في فرض إعلان دستوري انتقالي يضم فقط المباديء الأساسية للحريات والحقوق يرسخ الشرعية الثورية وأتى العسكر بما يرسخ شرعيتهم الخاصة دون مقاومة تذكر- اللهم إلا لافتة وحيدة لا زلت أذكرها حتى الآن، علقت في ميدان التحرير يوم الجمعة 1 أبريل. “الدستور ليس من الأوامر العسكرية”.

وهكذا، نظريا وفعليا، أصبحت القوى الثورية ليست شرعية. بل قوبلت باتهامات العمالة، وأيضا السذاجة السياسية التي توقعها في أيدي العملاء والمخططات الخارجية، ليظهر العسكر في دور الحكماء، يساعدهم في ذلك بعض المهللين من “مثقفي” وعبيد هذا الوطن.

وفي حين استفاقت القوى الثورية مؤخرا، لتطالب بمجلس حكم انتقالي مدني، ذلك المطلب الذي كان يظهر ويختفي على استحياء منذ تولي العسكر الحكم، احتكم العسكر لشرعية الإنتخابات، ومن الطبيعي ألا يأتي الثوار في المقدمة. لأن الإنتخابات تعني الإحتكام للصوت الإنتخابي وليس إلى الشرعية الثورية. أي أصوات كل المصريين البالغين القادرين على التصويت، والذين بالطبع لا يمكن أن يكونوا جميعا قد شاركوا في الثورة- أو من المؤمنين بها. أصبحنا بصدد موازين مختلفة تماما، ويلعب عنصر الفاشية الدينية دورا هاما هنا، وهو ما ظهر واضحا في النتائج الأولية للمرحلة الأولى لإنتخابات مجلس الشعب.

في رأيي أن القوة الثورية التي قبلت بالإحتكام للإنتخابات، والسير في الطريق الذي رسمه العسكر ببراعة ودهاء منقطعي النظير، قد خسرت كثيرا. وليس مؤخرا فقط، بل منذ تركوا ميادين التحرير بلا قيادة واتجهوا للدعاية الحزبية التي حتى لم تكن في شكل تكتل أو ائتلاف موحد تتجمع تحته مطالب الثورة ويتحدث باسم شرعية الثورة.

ومنعا للمزايدات في هذه النقطة تحديدا- فأنا أعلم جيدا أن الميادين لا تحتاج إلى قيادة، وأبرز مثال هو أحداث 19 نوفمبر وامتلاء التحرير عن آخره بالمصريين في اعتصام مهيب استمر بزخم رهيب إلى ما يقرب من عشرة أيام دون دعوة للحشد تذكر، فقط إحساس المصريين والمصريات بالظلم والقهر ولنصر إخوان الكفاح من مصابي الثورة..

و لكن ماذا حدث في النهاية؟

كانت ليلة السبت 26 من نوفمبر ليلة عصيبة من عمر الوطن. عندما كان الطلب المعلن من الثوار هو مجلس حكم انتقالي أو حكومة بصلاحيات واسعة، وطُرحت أسماء محددة، و انتظر الثوار في ميادين التحرير طويلا أن تَقبل تلك الأسماء المحددة نداءهم، وأن تنزل لتلتحم بهم، لتتم إعادة إحياء الشرعية الثورية بديلا عن شرعية العسكر من قلب ميادين التحرير.. ولكن للأسف. مرت الليلة دون استجابة تذكر. كانت تلك هي الليلة الفارقة. كانت القلوب مثقلة بدماء مايقرب من 60 شهيدا وآلاف الجرحى في المواجهات الدامية.. ثورة ثانية كما أسماها الكثيرون.. وللأسف مرت اللحظة الثورية. انتهت عندما شعر الثوار أنه تتم الإستهانة بهم عمدا ومع سبق الإصرار. وثق الثوار في قيادات  لتقود المسيرة ولتقدم بديلا واضحا عن حكم العسكر، أخيرا، وبعد تسعة شهور.. ولكن تلك القيادات للأسف لم تثق في شرعية ميادين التحرير. لا أدري هل يجب أن نلومهم، وهم الأشخاص ذوي الطبيعة “الإصلاحية” وأبدا لم يكونوا من الثوار، أم نلوم أنفسنا على عدم ثقتنا بمن ولدوا في عمق ميادين التحرير لنختارهم بديلا وعنوانا.

انفض زخم الميادين، رغم بقاء الإعتصام في التحرير ومجلس الوزارء حتى الآن بأعداد متواضعة، وتشتت الجميع ما بين دعوات متواضعة لمقاطعة الإنتخابات، ومابين تفرق واضح لأصوات القوى الثورية على الأحزاب والتكتلات المختلفة..

رغم استمرار الدعوات لمليونيات جديدة، فقد مرت اللحظة الثورية التي كانت قادرة على إسقاط العسكر واستبداله بكيان مدني.. غدا الجمعة مثلا مليونية “رد الإعتبار لشهداء محمد محمود”. هؤلاء الشهداء الذين سقطوا دفاعا عن الحرية دون أن يثأر لهم “مدعي القيادة” ودون أن تتحقق مطالب ما سقطوا من أجله. تتشكل غصة في قلبي وأنا أكتب تلك الكلمات، ولكنها الحقيقة الأليمة.

هل ستستطيع مليونيات قادمة رفع مطالب جريئة تتحدى شرعية العسكر مثلما كانت مطالب الإعتصام المهيب الأخير؟  أم أن “شرعية الإنتخابات” ستزيح كل ما في طريقها خاصة في ظل خيانة “مدّعي القيادة” لميادين التحرير وعدم قدرة الثوار على تنظيم أنفسهم وتوفير قيادات ثورية واضحة كبديل عن تلك الشرعية؟