بالدّاخل

by Maha Al Aswad

كان المطر ينهمر بغزارة. أيقظتها طرقاته المتتابعة على زجاج النافذة.  لم تعتد عينيها على المكان بعد.  يكون الطقس مخيفا عندما نفقد حميمية المكان.

استسلمت للنوم ثانية قبل أن يوقظها هذه المرة صوت الرياح العاتية تكاد تقتحم الغرفة. شيء ما غاضب  للغاية في هذه الساعة. شيء ما يعبر عن وجوده بصراخ انتقامي هادر.

ما دفعها لمغادرة الفراش هو غريزة الخوف الأساسية. لا بد من البحث عن حميمية ما لتشعر بالأمان. كانت تهم ببطء وحذر لمغادرته حين دوى صوت الرعد ليزلزلها في مكانها، صاحبه اختفاء شعاع نور خافت قادم من أسفل الباب. انقطعت بها السبل ولا مخرج!

كانت تلك هي العلامة الفارقة. انتابها الرعب لأول مرة تلك الليلة عندما ساورها الشك أن ما يحدث ما هو إلا رسالة. ممن؟ من كل من تركتهم في حياتها؟ من كل من تركوها؟ من الشيء/ الشخص الذي لا تدرك كنهه وتشعر به يراقبها من أعلى؟ من؟

لم تهتم كثيرا بالإجابة، الفكرة في حد ذاتها مرعبة. لا تحب الرسائل. لا كمرسلة أو مستقبلة. الرسائل شيء شرير في قاموس مفرداتها.  بدا الباب بعيدا حينما شعرت بحتمية الخروج،.

لم تشعر بنفسها إلا خارج غرفتها تهرول في جنبات المنزل من غرفة لغرفة، تركض وراءها قنابل الرعد، تتلقفها حوائط غريبة عنها، تقفز يمينا ويسارا تتفادى شظايا غير موجودة، كل الأبواب تفتح لكنها بلا فائدة. تريد الغرفة التي لا تفتح. ففيها الخلاص والمأوى.

يزيد وعيها بكل نفس من أنفاسها، بداخلها مشاعر متتابعة تتزاحم وتتزاحم متجولة في حلقات دائرية شبه مغلقة، تبدأ بالخوف، ومع تقلّص أصابع قدميها على الأرض الخشبية في كل خطوة تشعر بالضآلة، والبؤس وعبثية ما تفعل. يلفحها الكشف -الناتج عن وعيها المرعب بذاتها- بموجات من الخجل الشديد.. وتكاد تُغلق الدائرة كل مرة بالغضب، غضبها من نفسها أولا وأخيرا لسبب غير معلوم، قبل أن تبدأ دائرة أخرى.

وأخيرا وجدتها. تدق على الباب بجنون. تريد البكاء لكنها لا تستطيع.  ليست مفاجأة أن باب الغرفة التي لا تُفتح، فعلا لا يفتح. ثقة غريبة بداخلها أن ما بالداخل هو الخلاص، “أمان الداخل”، أمان الإحتواء.

لم يعد باستطاعتها تفادي قنابل الرعد أكثر من ذلك، تشعر أن سطور الرسالة قاربت على الإنتهاء، ولكنها لا تريد الوصول للنهاية، ليس بعد!

وكأفلام الرعب الركيكة، انفتح الباب أخيرا – بدون صرير مزعج.

هل تريد الدخول؟ لجزء من الثانية ترددت ولكن التردد تلاشى في الهواء عندما وجدت أن الباب سيغلق مرة أخرى.

لم يخطر لها أن تمسك به وتمنعه من الإنغلاق، كان ارتكاب أي فعل للمقاومة في هذه اللحظة تحديدا يبدو عملا خطيرا للغاية، كأنها ستتلاعب بمقدرات حياة بأكملها.

قفزت إلى الداخل وانتظرت لترى كيف يكون شعورها قبل حتى أن تتأمل في محتويات الغرفة. الباب في طريق للإغلاق. لم يحدث شيء. لم يختف الرعب. لم تجد “أمان الداخل”! كانت حوائط غريبة عنها مثل باقي الحوائط! عليها أن تقرر إذا كانت ستخرج أم ستمكث. انتبهت لأول مرة أن البرق دائما يسابق الرعد في رحلة الرعب الأبدية تلك. شعاع خاطف لفت انتباهها إلى معطف مطر وحذاء طويل الرقبة قابعين في ركن الغرفة. الباب سيغلق. ماذا ستفعل؟

 بدا لها أن الإختيار الأمثل هو الخروج وليس من الغرفة فقط.  انتزعت المعطف والحذاء بأقصى سرعة وانزلقت خارجة من الباب الذي أغلق بعد خروجها مباشرة.

كانت تبحث عن “أمان الداخل”، ولم تجده. ماذا لو أن الخارج هو أكثر أمانا؟

لم تنتظر قنبلة رعد أخرى لتأخذ القرار، كان الباب الوحيد الذي تعلم مكانه جيدا منذ البداية هو باب الخروج، ولكنها أبدا لم تفكر به كإمكانية للخلاص.

ارتدت المعطف والحذاء، وانطلقت مهرولة إلى الأسفل يدوي صوت الرعد في بئر السلم وتتضاعف قوته آلاف المرات، في هذه اللحظة كان ما يطاردها هو دقات قلبها المتسارعة وتصيبها دوائر المشاعر بالغثيان.

لم تتوقف.

شمس لافحة وحرارة مستعرة كانا في انتظارها بمجرد أن خطت إلى الخارج.  عشب أخضر طري جميل يئن تحت وطأة حذائها ذو الكعب الضخم وأصابعها تتوق للحرية!

فجأة، أصبح البحث عن الأمان لا معنى له.

لا وقت للدهشة. تخلّصت من المعطف والحذاء في نفس النقطة التي تخلّصت فيها تلقائيا من أشياء أخرى، ولم تنظر وراءها.