قضية مايكل نبيل: مسألة مبدأ

by Maha Al Aswad

اليوم فوجئت بخبر أوردته الدستور، أحزنني للغاية:

قال المحامي سعيد عبد المسيح مدير المركز المصري للتنمية وحقوق الإنسان وأحد أعضاء فريق الدفاع عن الناشط مايكل نبيل سند، أن مايكل تم سرقة الرقم السري الخاص بمدونته الشخصة على الأنترنت، وأنه لا يوجد دليل مادي يوضح أنه كتب ذلك الكلام على مدونته.

و في مقطع آخر:

وأكد أن مايكل حين تقدم بأوراقه للتجنيد قد أخذ شهادة من التجنيد تعفيه من أداء الخدمة العسكرية، لأنه غير لائق نفسيا مما يجعل المحكمة تبرئه من التهمة المنسوبة إليه على فرض أنه كتب المقالة الموجودة على المدونة لعدم مسؤوليته عن أفعاله بشهادة هيئة التجنيد بالقوات بالمسلحة.

إذن فدفوع المحام تتلخص في جانبين،  أن مايكل ليس صاحب التدوينة لأن كلمة السر الخاصة به سرقت، أو أن مايكل غير مؤهل نفسيا وغير مسئول عن أفعاله على فرض أنه كتبها بالفعل.

لست في موقع يؤهلني للحكم على الموضوع، لأنني لست مايكل نبيل الذي يرقد الآن ما بين الحياة والموت في مستشفى السجن نتيجة إضرابه عن الطعام لمدة 12 يوما متتالية. لكني أعلم جيدا أن مايكل لم ينكر أبدا أنه كتب تلك التدوينة التي يؤرخ فيها لإنتهاكات الجيش منذ بداية الثورة على مدونته.وإحساسي يخبرني لو أنه واع الآن بما يدور حوله لرفض طريقة المحام في الدفاع عنه، هذا لو صح ذلك الخبر.

أعجبني جدا أمس في الوقفة الإحتجاجية أمام نقابة الصحفيين للإفراج عن مايكل نبيل وكل المحكوم عليهم عسكريا، أن المسئولين عن حملته لم يتنكروا لما كتبه و لم يشككوا في قدراته العقلية. بالعكس، قاموا بطباعة التدوينة ووزعوها على الجميع. تحدثوا عن قيمة الحرية بل وطبعوا منشورات كتبوا فيها المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والمختصة بحرية الرأي والتعبير.

كدت أبكي أمس، عندما انطلق هتاف بكلمة واحدة يرج شارع عبدالخالق ثروت : حريــــة.. حريــــة. نظرت في عيون أمهات الشباب -المحكوم عليهم عسكريا -المثقلة بالدموع وهن يهتفن بأقصى ترددات أصواتهن الحزينة. السواد في ملابسهن لا يخفي إحساس بالفخر بأولادهن، لم  ينجح القهر في تدميره أو حتى الإنتقاص منه.

سجن مايكل طبقا للمادة رقم 184 من قانون العقوبات المصري والتي تجرم انتقاد المؤسسة العسكرية. أورد التعليق العام رقم 34* على مادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية إنه ليس من حق الدولة تجريم انتقاد أي مؤسسة في الدولة بما فيها المؤسسة العسكرية، وبناء عليه فإن المادة رقم 184 من قانون العقوبات المصري والتي تجرم انتقاد المؤسسة العسكرية تتعارض مع القانون الدولي لحقوق الإنسان. (هيومان رايتس ووتش)

التعليقات العامة على العهد الدولي هي بمثابة شروح لمواده والتي تفسر ماذا يقصد بها. المواد في آخر الأمر محكومة بعدد معين من الكلمات، وفي كثير من الأحيان تحدث انتهاكات للمواد وتدعي الدول أنها تتماشى مع الألفاظ الواردة فيها، ولذلك تأتي تلك التعليقات والشروح القانونية لتفسيرها.

قد ألتمس العذر للمحام، لأنه يبحث عن الثغرات القانونية التي تتيح لمايكل الحرية في ظل قانون فاشي يتعارض مع القانون الدولي لحقوق الإنسان ويجرم انتقاد المؤسسة العسكرية، بغض النظر عن التشبث بالمبادئ التي ينادي بها الحقوقيون مثل حرية الرأي والتعبير.  لكن القضية بالنسبة لي هي قضية ضمير في المقام الأول ومسألة مبدأ. ولو كنت مكان هيئة الدفاع عن مايكل لاخترت تحدي القانون كله والدفع بعدم دستوريته بدلا من التنقيب في الثغرات التي ترسخ لظلم بيّن وانتهاك لحق أصيل من حقوق الإنسان. قضية مايكل نبيل تستحق أن تتحول لقضية رأي عام وأن نطمح لإلغاء قوانين رجعية ترسخ تقديس العسكر وتمهد لدولة عسكرية قد لا نستطيع التخلص منها في القريب العاجل إن لم نعلن مواقفنا واضحة صريحة.