بعد ثورة يناير: الفانتازيا السياسية لازالت مستمرة

by Maha Al Aswad

كنت أتصفح أحد مدوناتي القديمة، والتي انقطعت عن الكتابة فيها منذ سنوات عديدة، ووجدت مقالا لشريف مليكة.. حاولت أبحث عن اللينك الأصلي للمقال على الإنترنت ولكني لم أجده.. تاريخ نشره على مدونتي كان 30 مارس 2006. والغريب أنني وجدت ما جاء فيه يؤهله بامتياز أن ينشر هذه الأيام.  مرت السنوات وقام المصريون بثورة شعبية مجيدة.. دفعوا فيها الثمن الغال من دماء شهدائهم، اتحدوا فيها ضد الظلم والطغيان والفساد، كان من الصعب أن تفرق بين مصري  ومصري في المظاهرات على أي أساس . تجلت صورة المواطنة المصرية الحقيقية في ميدان التحرير طوال ثمانية عشر يوما.  ولكن من الواضح أن شيئا غريبا بدأ يحدث بعد تنحي مبارك وانفضاض الإعتصام في التحرير. بدأت الفوارق والإختلافات في الظهور مرة أخرى. كانت بالطبع موجودة من قبل ولكن الفارق الوحيد أنه لم يكن أحد يلق بالا إليها. لم يكن اختلاف شخص ما في الدين، أو النوع أو التفكير أو المظهر عائقا نحو المواطنة. نحو “المصرية” التي شعر بها الجميع في الميدان. كنا كلنا مصريون- برغم اختلافاتنا الفردية. أما الآن، وبعد مرور أسابيع قليلة، لم نعد كلنا مصريون.  وأول نتائج الثورة  لم يكن ترسيخ مواطنة المصريين جميعا بل إعلان أن هناك من هم أكثر مصرية من الآخرين. تجلى هذا واضحا في الغضب العارم تجاه مجرد التفكير في إلغاء المادة الثانية في الدستور. تجلى هذا واضحا أيضا في التعديلات الدستورية المقترحة حيث تفتق ذهن اللجنة عن  شروط جديدة لمن يتولى منصب  رئاسة الجمهورية وهي “ألا يكون متزوجا من أجنبية”!! دعونا من موضوع أن الزواج من أجانب من عدمه لا يشكل أي تأثيرا على مصرية ووطنية أي مصري ومصرية، وأن هذه المادة غريبة ليت فقط في مصر بل لا تجد مثيلا لها- في إعتقادي- في أي من دساتير العالم. لكن هذه ليست هي المشكلة.

المشكلة وبكل أسف أن من صاغوا المادة اعتقدوا اعتقادا جازما، أن من سيتولى منصب الرئاسة سيكون وبلا شك ذكر! ولذلك لا يجب أن يكون متزوجا من أجنبية!!! لم تأت المادة بلغة محايدة لتتيح المجال لأي مصري ومصرية الترشح بغض النظر عن نوعهم الإجتماعي! هل حقيقي ما أقرأه وأسمعه؟ هل هذه هي نتائج ثورة المصريين الشعبية المجيدة؟

يتحدث شريف مليكة في مقاله عن الفانتازيا السياسية ويورد أجزاء من مقال لعلاء الأسواني عن تصوره لمصر بعد 50 سنة.. ولعله لم يقصد المدة الزمنية بقدر ما كان يقصد أن هذا هو الشكل المثالي الذي ينبغي أن تكون مصر عليه بعد التخلص من مبارك ونظامه الفاسد. وقد حدثت الثورة بعد 5 سنوات فقط! وذهب مبارك! وبقي نظامه الفاسد، والعناصر المتطرفة في المجتمع الذين لا زالوا يجعلون من مقال الأسواني مجرد خيال وفانتازيا سياسية! لا بد أن تستمر الثورة !

فانتازيا سياسية

شريف مليكة

قرأت فى جريدة العربى مقال للأديب الشهير الدكتور علاء الأسوانى وتعليق لرئيس التحرير حول نفس المقال. وقد وجدتنى مدفوعًا لكتابة هذه الكلمات معقبًا حول الموضوع ذاته. بداية دعونى أشرح الظروف حول مقال الدكتور الأسوانى بحسب ما نشرته الصحيفة. كتب الأستاذ عبدالله السناوى أن عند نهايات عام 2005 قررت صحيفة الفاينانشيال تايمز البريطانية ، أن تصدر ملحقا خاصا عن مصر ينشر خلال شهر ديسمبر، واقترح مراسلوها فى القاهرة أن يتضمن هذا الملحق نصا جديدا للأديب علاء الأسوانى ينتهج أسلوب الفانتازيا السياسية، عنوانها: مصر بعد 50 سنة. وانتهى الأسوانى من كتابة النص باللغة العربية، وترجمها أحد مراسلى الصحيفة البريطانية إلى اللغة الإنجليزية، وأخذ الذين اطلعوا على النص الأدبى فى الثناء عليه، غير أن المسئول عن الملحق أبدى اعتراضا سياسيا مفاده أن نص الأسوانى رغم أنه يتحدث عن مصر بعد نصف قرن ينتقد الرئيس مبارك، ويصف حكمه بالديكتاتورية، دون أن تكون رؤية الرئيس المصرى معروضة على قراء الصحيفة.

وباختصار تدور حدوتة الأسوانى عن عودة الراوى الى القاهرة فى يوم جمعة “بعد خمسين سنة” فيجد العجب.. نظافة, وحدائق ونافورات وتماثيل فى كل المبادين (و على كل ترعة ـ الله يرحمك يا جاهين), قيؤدى الصلاة مع عشرات الألوف فى جامع الأزهر.. وبعدها يخرج المصلون فى مظاهرة سلمية يحيط بها رجال الأمن المتحضرين ليحموهم, وسط زهول وإرتعاب الراوى, الذى توقع العصف به وببقية المتظاهرين, وإن طمأنه أحدهم بأنها مظاهرة قانونية ولذا يحميهم البوليس.. ويلمح هو المتظاهرين الذين أتموا لتوهم أداء صلاة الجمعة, وهم يرفعون مئات اللافتات، كلها تحمل صورة امرأة جميلة فى الأربعينيات غير محجبة.. يتعرف بعدها أنها مرشحة لرئاسة الجمهورية.. حيث أمضى الرئيس ـ حينذاك ـ مدته القانونية، أربع سنوات فى المنصب ولم ينفذ البرنامج الذى تعهد به.. وقد صارت خسارته شبه مؤكدة فى الانتخابات القادمة.. وهم يتظاهرون لمساندة السيدة “مارى تيريز” المرشحة للرئاسة.. مارى تيريز..؟ نعم..

فيتساءل الراوى.. أليس غريبا أن يؤيد المسلمون امرأة قبطية لرئاسة الجمهورية..؟ فيجيبونه.. وما الغرابة؟..أليست مواطنة مصرية ؟.. المعيار الوحيد هو الكفاءة.. كما أن الإسلام الحقيقى لا يفرق بين الرجال والنساء، أو بين المسلمين وغير المسلمين.. كل الناس متساوين.. فيعود ويسألهم.. اذا كان هذا صحيحا فكيف انتشرت الأفكار المتطرفة التى تحقر المرأة والمسيحيين واليهود..؟ ..فقالوا : القراءة المتعصبة للاسلام كانت نتيجة للكبت السياسى والفقر والاحباط، كان الاستبداد هو السبب الرئيسى فى التطرف.. ويعرف بعدها أن ثورة كانت قد قامت وأطاحت بنظام ديكتاتورى وعزله و انتخبت جمعية تأسيسية وضعت الدستور الديمقراطى.. وبالديمقراطية.. خلصت مصر من التخلف والفقر حتى أصبحت من أكثر دول العالم تقدمًا.. وتنتهى الحدوتة بدعوته لقراءة البرنامج السياسى للمرشحة مارى تيريز ورجاء بأن يعطيها صوته..

والفانتازيا , هو فى العادة لفظ يصف لحن موسيقي أو عمل أدبي متحرر من قيود الشكل التقليدية، وهذا ينطبق فعلا على عمل الأسوانى الشيق.. ولكن لماذا لم بنشر المقال بالرغم من ثنائهم عليه كما كتب الأستاذ السناوى؟ هل لدرء غضبة الرئيس مبارك كما قيل حقـًا, أو لتعصبهم ضد صورة الإسلام المشرقة التى رسمتها ريشة الأسوانى كما علق السناوى فى مقاله؟ لا أعتقد .. حيث أن الفانتزيه تقوم أساسًا على مبدأ التحرر من الواقع, ومن المعالجة المنطقية, فلا يعقل إذن أن يستبعد المقال لأنه غير واقعى فى وصفه للإسلام مثلا ً, أو لأن الرئيس مبارك لم تتح له الفرصة للدفاع عن نفسه لأن الحكاية كلها خيال فى خيال.. هل إذن لأنهم لم يعجبهم المستوى الأدبى للمقال؟ لا أعتقد مرة أخرى.. بل لقد أبدى بعضهم إعجابًا بالنص المترجم , ثم بعد أن أرسلوا للكاتب أجر العمل وعدوا بنشره بالقسم الأدبى بالجريدة, كما كتب السناوى..

فماذا أدى إلى إحجام الصحيفة عن نشر المقال؟ هل يمكن أن يكون عزوفهم عن تشجيع “أيدولوجية” الثورة أو العنف بشكل عام, لتحقيق التغيير الذى يحلم به الأسوانى ـ ومعه جموع غفيرة من المصريين اليوم ـ نحو الديموقراطية التى من شأنها أن ترفع الغبن والفقر والجهل وإنتهاك الكرامة, بل وحتى العشوائيات, عن كاهل مصر و المصريين؟ ربما.. هل بسبب الأوصاف المحرضة التى إستخدمها الأسوانى فى وصف ما يتعرض له المعتقلين من المتظاهرين أو من المعارضين السياسيين, وخصوصًا هتك الأعراض، التى تضرب على أوتار شرقيتنا ونزعاتنا الدينية؟ ربما..

فى الواقع أنا أرى أن السبب الرئيسى الذى كان سيدعوننى شخصيًا لعدم نشر هذا المقال, لو كنت المسئول عن عدم نشره ـ وإن كنت لست من أنصار عدم النشر تحت أى ظروف ـ هو مبدأ الربط فى سياق المقال, وإن كان من نوع الفانتازيا, بين السياسة وبين الدين, فى حالة القاهرة حتى بعد خمسين سنة !! هل كان يجب أن يخرج الراوى وحوله جموع المؤمنين فى مظاهرة سياسية بعد “صلاة الجمعة”؟ أيلزم أن تتميز المرأة “المسيحية” الجميلة بأنها غير “محجبة”؟ هل ينتخب المصريون “مارى تيريز” (التى لا تحمل إسم عائلتها ربما لإخفاء ديانتها) لأن “الإسلام الحقيقى” لا يفرق بين الرجال والنساء، أو بين المسلمين وغير المسلمين؟ أهذا هو السبب الوحيد الذى يبيح إنتخاب “مارى تيريز”؟ ثم ماذا لو جاء أحدهم بما يثبت أن الإسلام الحقيقى يدعو بألا تولوا غير المسلمين عليكم؟ أين نقع إذن من “الإسلام الحقيقى” ؟؟ ألا يمكن أن نتخيل ـ ولو على سبيل الفانتازيا ـ أن بعد مرور كل هذه السنين أن مصر سوف تصير دولة علمانية ـ أو أقول تعود علمانية ـ كما تعودناها فى النصف الأول ثم فى العقدين الأولين بعد منتصف القرن العشرين, دولة يفصل فيها بين الدين وبين الحياة المدنية، فلا نصف إمرأة مرشحة لرئاسة الجمهورية, بعد خمسين سنة, بأنها “غير محجبة”؟

وفى نفس السياق كنت قد تابعت منذ أيام محاضرة ألقاها الدكتور “عصام العريان” بشأن المواطنة بين المصريين.. بدأها بإقرار مبدأ المساواة بين المسلمين والمسيحيين من أبناء الوطن, وضرورة المضى قى تطبيقه فى شتى المجالات الحياتية, من حيث الوظائف, والتعليم , والحقوق والواجبات, وبناء وصيانة دور العبادة, وشتى المجالات التى يصرخ المسيحيون المصريون من الغبن الواقع عليهم بسببها لسنوات طوال.. وتعالت بالتدريج درجة إعجابى بما قاله حتى جاء الى الناحية العملية أو التطبيفية لما سبق أن مهد له, بسؤاله عما يجب أن يطالب به الأقباط, فاستطرد حينئذ وقال أنه يتعين علينا أن نطالب بما يجوز تحقيقه.. عندها تفضل ونادى بنبذ العلمانية, وهى أساس الحضارة الغربية الحديثة, التى بدأت بالفصل الكلى بين أمور السياسة و شئون المجتمع المدنى, وبين الدين, فى أعقاب الثورة الفرنسية, منذ أكثر من مائتى عام!.. وتفضل بعدها بالإيحاء بأن العلمانية فى سبيلها للإنقراض حتى فى المجتمعات الغربية, وربط للأسف بين العلمانية, وفصل الدين عن الدولة, وبين نبذ الدين, مبينـًا أن حتى الرئيس بوش يسترشد بالصلاة وبكلام الإنجيل كل يوم, شهادة بأن الولايات المتحدة الأمريكية قد تركت العلمانية وراءها !!..

ثم تفضل الدكتور من بعدها باستنكار فكره تغيير البند الثانى من الدستور الذى يقول بأن دين الدولة هو الإسلام.. لأن مصر “طبعًا” دولة إسلامية.. ذلك لأن غالبية سكانها من المسلمين.. وكأن الفصل بين الدين والدولة هو دعوة لنزع الدين من قلوب البشر, أو دعوة للإلحاد!! ثم أفاض علينا بقوله من بعدها بأن حتى الأقلية من المصريين المسيحيين هم أيضـًا مسلمون ثقافة, مؤكدًا أن تلك “الهوية الإسلامية” تشملهم أيضـًا.. وهكذا فيجب أن تظل الدولة “إسلامية” بعد أن كان قد إستفاض فى الحديث حول المساواة فى الحقوق والواجبات بين المسلمين والمسيحيين.. أى أنها مساواة بين الناس ماداموا تحت “مظلة الإسلام”.. ترى ماذا يكون رد فعل الفلسطينيين لو أعلتت إسرائيل أن التوراه والتلمود هما المصدر الرئيسى للتشريع بها, وأن عليهم الإستجابة والإذعان لأن غالبية السكان من اليهود, ولأن ليس فى الإمكان أفضل مما كان!!.. إذن فالفانتازيا السياسية التى قدمها لنا الدكتور العريان لا تختلف فى الواقع كثيرًا عما قدمه الدكتور الأسوانى, وإن كنت أستبعد أن يتجرأ العريان و يدعو لترشيح قبطية للرئاسة ويؤيدها إلى ذلك السبيل آلاف المتظاهرين أتموا لتوهم صلاة الجمعة بجامع الأزهر, فى يوم جمعة, بعد خمسين سنة, حيث كل النساء محجبات, ماعدا السيدة الأربعينية الجميلة..”مارى تيريز\”..