موتٌ مقدّسٌ، وحياة*

by Maha Al Aswad

أيتها العذراء ها أنذا انتهيتْ، مقدَّسٌ باسمك هذا الموت، وصمْتُ هذا البيت، ها أنذا صلَّيت، لعودة الغائب من منفاه، لنور هذا العالم الأبيض للموت الذي أراه، يجتاز ألف باب، جناحي كسرتْهُ الريح، من قاع نهر الموت يا مليكتي أصيح، جَفّتْ جذوري،  قَطَعَ الحطّاب رأسي وما استجاب لهذه الصلاة، أرضٌ تدور في الفراغ ودمٌ يُراق، أمدُّ للنهر يدي، فَتُمسك السراب، يدي على التراب، يا عالمًا يحكمه الذئاب، ليس لنا فيه سوى حقّ عبور هذه الجسور، نأتي ونمضي حاملين الفقر للقبور، ها أنذا محاصرٌ مهجور، ها أنذا أموت- أيتها العذراء، والنور والتراب والهواء، وقطرات الماء، ها أنذا انتهيت، مقدّسٌ باسمك، هذا الموت، مقدّسٌ باسمك، هذا الموت، مقدّسٌ باسمك، هذا الموت، مقدّسٌ باسمك، هذا الموت، مقدّسٌ باسمك، هذا الموت، مقدّسٌ باسمك، هذا الموت،  (1) لم أُولَدْ لأَعرفَ أَنني سأموتُ ، بل لأُحبَّ محتويات ظلّ الله، كأني لا كأنّي، لم يمت أَحدٌ هناك نيابةً عني ، فماذا يحفظُ الموتى من الكلمات غيرالشكرِ : “إن الله يرحَمُنا”، (2) كان سقف رَصَاصٍ ثقيلاً، تهالك فوق المدينة والنّاس، كان الدّمامة في الكون، والجوع في الأرض، والقهر في الناس، قد مرّ طاغيةُ من هُنا ذات ليل، أَتى فوق دبّابة، وتسلَّق مجداً، وحاصر شعباً، غاص في جسمه، ثم هام بعيداً، ونصَّب من نفسه للفجيعة رَبَّا ونصَّب من نفسه للفجيعة رَبَّا ونصَّب من نفسه للفجيعة رَبَّا ونصَّب من نفسه للفجيعة رَبَّا،(3) يا أبانا الذي لا مكانَ له، نحن نسقطُ فوق التراب مآتمَ في لحظة الطحنِ، تطحننا قمحةً، قمحةً، ثم تسحبُ فضلَ سواعدنا في بناء سنيّكَ تطحننا لكراسيكَ أوسمةً، ولموتكَ أضرحةً، ولمجدِكَ تاجْ،  يا أبانا الذي من زجاجْ، نضجتْ فكرةُ الخبزِ في نار هذا الملاك الذي اصفرّ من دهشة الكشفِ، صارتْ قلوبُ الجياع تنانيرَ ينضج فيها العبيد، نضجنا إذنْ، سوف يكفي إذن، يا أبانا الذي من زجاجْ،(4)الطيورُ التي أقعدتْها مخالَطة الناس، مرتْ طمأنينةُ العَيش فَوق مناسِرِها فانتخَتْ، وبأعينها،  فارتخَتْ، وارتضتْ أن تُقأقىَء حولَ الطعام المتاحْ، ما الذي يَتَبقى لها غيرُ سَكينة الذَّبح، غيرُ انتظارِ النهاية، إن اليد الآدمية واهبةَ القمح، تعرفُ كيفَ تَسنُّ السِّلاح، الطيورُ الطيورْ، تحتوي الأرض جُثمانَها في السقوط الأخيرْ، والطيورُ التي لا تَطيرْ، طوت الريشَ، واستَسلَمتْ، هل تُرى علِمتْ، أن عُمر الجنَاحِ قصير قصيرْ، الجناح حَياة والجناح رَدى، والجناح نجاة، والجناحُ سُدى،(5) حضورنا محايد وننتظر العهد المغلوب .حياتنا ليست لنا. حياتنا ليست لنا. حياتنا ليست لنا،(6)لا تقولوا: أبانا الذي في السموات، قولوا: أخانا الذي أخذ الأرض منا،(7) في الأرض، في الجدران، في الأبواب، في شرف المنازل، في هيكل العذراء، في المحراب، في طُرُق المزارع، في كل مُرتفعٍ ومنحدر ومنعطف وشارع، في سجن، في زنزانة التعذيب، في عود المشانق، رغم السلاسل، رغم نسف الدور، رغم لظى الحرائق، سأظلّ أحفر اسمها حتى أراه، يمتد في وطني ويكبر، ويظل يكبر، ويظل يكبر، حتى يغطّي كل شبرٍ في ثراه، حتى أرى الحرية الحمراء تفتح كل باب، والليل يهرب، والضياء يدُكّ أعمدة الضباب، حُريّتي ! حريّتي حريّتي حريّتي حريّتي حريّتي(8)

—-
ء(1)مقاطع متفرقة من قصيدة عبد الوهاب البياتي: الموت في غرناطة
(2)مقاطع متفرقة من قصيدة محمود درويش : جدارية
(3)من قصيدة محمد الفيتوري: التراب المقدّس
(4)من قصيدة حكمة شافي الأسعد : رحي
(5)من قصيدة أمل دنقل: الطيور
(6)من قصيدة محمد مظلوم: غيمة العابر
(7)من قصيدة محمود درويش: عائد إلى يافا
(8)من قصيدة فدوى طوقان: حرية الشعب

الصورة 1لسيدة تبكي بعد الإنفجار الذي ضرب كنيسة الإسكندرية ليلة الأول من يناير 2011. تجدها هنا

الصورة 2 من أحداث المحلة 2008 تجدها هنا

نصوص تداعت معانيها- فارتبطت- أو انفصلت*!

مها الأسود