لا مُبالاة، جميلةٌ

by Maha Al Aswad

غنت السيدة فيروز، غنت كما لم تغني من قبل بحسب كل من حضروا حفلتها في بيروت منذ يومين..  لم اتوقف عن الإستماع إلى أغانيها الجديدة.. هي حتما مختلفة.. لا أدري أن كان هذا هو فقط انطباعي، أم أن فيها خطا مشتركا قد يكون ظاهرا  تحمله قوة الكلمات وتقسيمات الموسيقى المتمردة، أو مختفيا في بعض الأحيان، تلملمه أطراف صوت فيروز العذب، فلا تملك إلا أن تتناسى مرارة الكلمات وعمق الوجع. خطا مشتركا،  كلمسة سحرية، تشعر بها كنسمة تهبط على أذنيك فتمس روحك، لمسة  باردة، قاسية،  تبدو وكأنها مرت بجحيم من العذاب، لتنتصر الروح المتمردة في النهاية، وتكون النتيجة، لا مبالاة جميلة.

في أغنية  الله كبير تقول

بتذكر يوم ال قلتلّـي
مهما يصير
انتظريني وضلّـك صلّـي
الله كبير
من يوما شو عاد صار
ع مدى كذا نهار
ما صار شي كتير
كل اللي صار وبعدو بيصير
الله كبير

ذاكر قدّي قلتلّـي
هالعمر إنو قصير
وإنو أنا ما في متلي
وحبّي أخير
من يوما شو عاد صار
ع مدى كذا نهار
ما صار شي كتير
كل اللي صار وبعدو بيصير
الله كبير

—-

ذاكر قَدّيْ قِلتِلّي هالعُمر إنّو قَصير، وإنّي أنا ما في مِتْلِي وحُبّي أخِير

توقفت كثيرا هنا، شيء ما أخذني إلى أبيات فاروق شوشة

كل الكلام معاد،

وكل الحكايا بلاد

سجنت بداخلها

واصطدمت بحاجز عزلتها

واغتربت وراء دهاليزها

واشتهيت زمانا

له جرأة وامتداد.

تعلنها السيدة فيروز صريحة هنا، لقد ملّت من الكلام، ملّت من الحكايا.

الملل كان أيضا ثيمة عبقرية في أغنيتها إيه في أمل، والسخرية أن الأمل ناتج عن الملل،  أي نوع من الملل، ربما مللها من كثرة كلام وحكايا الحبيب يذكرها بماض بينهما كان – في وقت من الأوقات – مجيدا،،

رغم الزّهر اللّي متلّي الحقول

شو ما تحكي و تشرحلي و تقول

حبيبي، حبيبي ، تَ نرجع لأ مش معقول

عندي سنونو و في عندي قرميد

بعرف شو يعني إذا إنتَ بعيد

بس حبيبي ، إحساسي ما عاد يرجعلي من جديد

في أمل، إيه في أمل

أوقات بيطلع من ملل

و أوقات بيرجع من شي حنين

لحظة تَ يخفّف زعل

و بيذكّرني فيك لون شبابيك

بس ما بينسّيني شو حصل


وحتى عندما تغني فيروز وتحكي قصتها ” الصغيرة كتير” أو ” البشعة كتير” أو ” الحلوة كتير” ، أو حتى “المعقولة”  كما وصفتها في مقاطع متعددة في الأغنية، اهتمت الكلمات بوصف القصة نفسها بكبرياء جميل بدلا من أن تدخل في تفاصيل قد تكون مؤلمة،  تشعر بأقصى حالات التمرد، وهي تحكي بنفسها هذه المرة عن الماضي باختصار ملء المعاني، اختصار ملء اللامبالاة التي تحملها نبرات صوتها العبقرية

هيـدي عـم احكيـلك قصـة بشـعة كـتير وحـلوة كـتير

بـس هـيك بتـصير عـن حـالـي

هـيدي قصـة معقـولة كـل يـوم تـصير وبتصـير كـتير

واسمعـها أرجوك كــرمـالي

يمـكن انا مـش هـيي الـبنت اللـي مفكـر فـيي

بـس شـئ إنـى راح فـل راح تنـدم عـليي

يـا سـلام عـلى بكـرة يـا سـلام

يـا سـلام مـن هـلآ يـا سـلام

راح تخـلص ولابـد بينوضلعها حـد

مـا فـينا إلا نعـد ونـعد

بـالأيـام شـو ضيعنـا أيـام

وبالأحـلام شـو كبـرنا أحـلام

قلـك قلقانـة وانت تفـوت تنـام

ويـا سـلام عـلى حبـك يـا سـلام


و في ” ماشاورت حالي”

ضيعانو … يا ضيعانو يا ضيعانو

شو كان منيح … شو كان منيح بزمانو

لَ شو تقنعني بغرامك فيّي

ما الكذب متل الشّمس بتشوفو من الفيّ

تشيد فيروز بالماضي، ولكنها تعود لتؤكد  أنه لن يعود، وأن الماضي كان رائعا في وقته، ولن تفيد المهارات الإقناعية للحبيب والتي أصبحت بالنسبة إليها مجرد أكاذيب.

ولكنني في نفس الوقت لا أظن أن المقصود أنه من الأفضل تذكر الماضي الجميل على حاله،

بل أعتقد ان الإتجاه العام للأغنيات والموسيقى، ونبرة صوت فيروز الهادئة ظاهريا الصاخبة من كل النواحي الأخرى، هو أن الماضي قد يكون جميلا، مفرطا في العذوبة، ولكنه لا يعني شيئا مع كل هذه الأكاذيب، كل هذا الملل، كل هذه القسوة،،إنه إعلان صريح للتمرد..

ليس أصدق تعبيرا عن ذلك إلا مشهد شهير من فيلم ذهب مع الريح،  هو في نظري أقوى مشهد في تاريخ السينما، عندما تعدو سكارليت أوهارا لاهثة خلف زوجها ريت باتلر ترجوه أن ينتظر،  فهو أخيرا راحل، بعدما أمضى تقريبا كل فترة الفيلم في محاولة بائسة منه لإقناعها بحبه، والتغلب على المقارنة السخيفة التي كانت دائما تضعه فيها مع آشلي الحب الأول في حياتها.. ترجوه سكارليت أن ينتظر بعدما اكتشفت فجأة أنها تحبه، ولكن للأسف بعد فوات الأوان، لتسأله في المشهد الحزين

– ولكن،إلى أين سأذهب؟ ماذا سأفعل؟

بكل صراحة يا عزيزتي، أنا لا أهتم على الإطلاق

و إن كان جواب باتلر باللغة الإنجليزية أقوى كثيرا،،

Frankly my dear, I don’t give a damn.

فجأة، لم تعد الأذن قادرة على سماع المزيد، لا تذكير بالماض ولا حتى إيعاز بأمل في المستقبل،

في النهاية الرسالة هي ترك الماضي مثقلا بكل ما فيه، بكل تعب الذكريات الذي يحملها، بكل  زخم التفاصيل، بكل تقرحات الأمل والرجاء التي حفرها في جسد منهك وروح مهترئة، بكل صمته، وحديثه، ليسقط في بئر من اللامبالاة، اللامبالاة الجميلة.

—–

مها الأسود